فلسفة المكانة الاجتماعية – الجزء الثاني

عن كتاب "قلق السعي إلى المكانة الاجتماعية الشعور بالرضى أو المهانة"

لقراءة الجزء السابق: الجزء الأول

———————————————————-

أما السبب الرابع فهو الكفاءة، وخلال هذا الجزء يتحدث الكاتب عن ثلاث قصص بشأن قيمة ومكانة الطبقات الأدنى تحمل في طياتها عزاء لهم. أما القصة الأولى فهي التسليم بأن الفقراء ليسوا مسؤولين عن ظروفهم أي أنها مشيئة إلهية لا يعلى عليها. والقصة الثانية تخبرنا أنه ليس للمكانة الدنيا دلالة أخلاقية حيث تقر أن المصاعب التي يتعرض لها الفقراء تجعلهم يتوجهون إلى الله طلبا للعون، وتذكر بأن المسيح كان على الأرض رجلا فقيرا. بينما القصة الثالثة فتقول أن الأغنياء آثمون وفاسدون وقد اكتسبوا الثروة من خلال سرقة الفقراء، ومن بين المؤيدين لهذه الفكرة نجد جان جاك روسو وكارل ماركس أيضا فحسب الكاتب هاته القصص قدمت السلوان لمن يشغلون مكانة دنيا حيث حاولت أن تبرز أن المكانة الدنيا ليست لها قيمة أخلاقية لدى الله وأن الأثرياء على كل حال غير جديرين بالتقدير والتبجيل لأنهم مُعدَموا الضمير ومقدر لهم أن يلاقوا نهاية في سلسلة من الثورات البروليتارية العادلة والوشيكة.

في المقابل ثمة قصص جعلت المكانة الدنيا أصعب احتمالا وتقبلا؛ الأولى تنص على أن الأغنياء هم المفيدون وليس الفقراء حيث اعتبروا هم صناع الرخاء الوطني، والقصة الثانية تتمثل في كون أن للمكانة دلالات أخلاقية حيث صار الفشل المالي مرتبطا بإحساس الخزي، أما القصة الثالثة فهي أن الفقراء آثمون وفاسدون وغباؤهم هو السبب حيث تغيرت تسميتهم في النظام الاقتصادي من أناس مساكين أقل حظا ومعوزين إلى أناس فاشلين. يقول مايكل ينج: “في يومنا هذا يعرف كل شخص مهما كان متواضع الحال أن بين يديه كل فرصة ممكنة، أما إذا لحق به لقب بليد مرارا وتكرارا فلا يحق له الاحتجاج بعد ذلك، أليس على هؤلاء الاعتراف بأنهم يشغلون مكانة منحطة لا بسبب انعدام الفرص كما كان الحال في الماضي بل لأنهم هم منحطون؟”.

والسبب الأخير والخامس هو الاعتماد، ففي المجتمعات القديمة كان الاعتماد على الموروثات والهوية والمنشأ من بين الأسباب التي تبنى عليها مكانة الفرد إلا أن الأمر تغير في المجتمعات الحديثة وأصبحت مكانة الفرد تقاس بمنجزه المالي فحسب مما جعل من القلق هو التابع المخلص للطموح المعاصر؛ يقول الكاتب: “إن أبرز سمات الصراع لتحقيق المكانة هي الريبة وانعدام اليقين. إننا نتأمل المستقبل في ضوء معرفتنا بأننا معرضون في أي وقت لأن يخيب مسعانا إذا أعاق تقدمنا زملاؤنا أو منافسونا أو إذا اكتشفنا أننا نفتقد القدرات اللازمة لبلوغ أهدافنا المنشودة أو إذا انجرفنا داخل تيار مشؤوم وسط أمواج السوق المتلاطمة فيقترن أي فشل لنا بالنجاح الممكن لأندادنا”.

ومن بين العوامل التي يتوقف عليها كسبنا للرزق وكذا المكانة المنشودة نجد الاعتماد على الموهبة؛ حسب الكاتب، فإن مكانتنا قد تعتمد على منجزاتنا إلا أن هذه الموهبة لا نملك أية سيطرة عليها، فقد تسطع وتتوهج فجأة كما أنها قد تختفي وتتبدد فجأة، أي أنها هبة وليست تحت تصرفنا وبالتالي يبقى دائما قلقنا مستمرا إزاء مستقبلنا إذا ما اعتمدنا على الموهبة فحسب.

أما العامل الثاني فهو الاعتماد على الحظ، يقول ألان: “تعتمد مكانتنا كذلك على مجموعة من الظروف المواتية التي يمكننا أن نعرفها بالكلمة الفضفاضة -الحظ – فقد يكون حسن الحظ وحده ما يضعنا في الوظيفة المناسبة في الوقت المناسب و بالمهارات المناسبة”.
لكن في عصرنا الحالي لم يعد من السهل الاحتكام إلى الحظ من أجل اكتساب المكانة فنحن من نمتلك زمام أمورنا وليست ثمة أي أمور خارجية يمكنها أن تفعل ذلك بل أصبح تقييم الأشخاص يعتمد على مسؤوليتهم في صناعة سيرتهم الذاتية بشكل كبير.

أما العامل الأخير فهو الاعتماد على رب العمل، فخلال القرن التاسع عشر ولأول مرة في التاريخ توقف أغلب الناس عن العمل في مزارعهم وبدؤوا في العمل لدى أشخاص آخرين يقدمون لهم أجرة مقابل مجهوداتهم، وفي سنة 1800 كانت نسبة 20% تعمل لدى شخص أخر ثم ارتفعت إلى 50ب% سنة 1900، وفي سنة 2000 أصبحت 90% بينما كانت نسبة المؤسسات التي تشغل أزيد من 500 موظف تصل إلى 1% سنة 1800 وارتفعت إلى أن بلغت 55% سنة 2000.

لكن المشكل الذي يطرح نفسه هو أن الموظف، بالإضافة إلى قلقه من الاستمرار في الوظيفة، يعاني أيضا من متاعب ومهانة يومية تتجسد في العديد من آليات وظروف العمل. وأكثر ما يجعل من قلق المكانة بارزا في محيط العمل هو عامل الترقي والبنية الهرمية لجل الشركات التي تتضمن قاعدة واسعة من الموظفين تضيق صعودا إلى قائمة ضيقة من المديرين.

يقول الكاتب: “ما يرهق صحتنا العقلية أننا غير قادرين على تقديم إجابة عن هذا التساؤل -ماذا نعمل- تكون مرموقة بما يفي بالغرض بدلا من ذلك تخضع الإجابة لسلطان الرسوم البيانية للاقتصاد بمرتفعاتها ومنخفضاتها كما تخضع لصراعات السوق ولأهواء الحظ ونزوات الإلهام وفي أثناء ذلك تبقى حاجتنا للحب من جانبها راسخة لا تتزحزح بل ليست أقل ثباتا وإلحاحا مما كانت عليه ونحن أطفال رضع. هذا الخلل في التوازن بين ما نتطلبه ونتلهف عليه وبين أحوال العالم المتقلبة هو خامس الأعمدة التي ينهض عليها قلق المكانة في أنفسنا ينهض ويتربع مستريحا”.

يقول ويليام جيمس: “إننا لا نشعر على الدوام بالمهانة إذا ما أخفقنا في بعض الأمور، نشعر بالمهانة فقط إذا ما استثمرنا كبرياءنا وإحساسنا بقيمتنا في طموح أو إنجاز محددين ثم خاب سعينا إليه”.

يتبع…

فلسفة المكانة الاجتماعية – الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *