دموعي الجريحة لمن سأحكيها يا مجتمع الذكورة

من وأد مادي لوأد معنوي

“إليكم توقعات كوثر لطقس اليوم:
سحب رعدية قوية وبداية أمطار غزيرة في وطن الفقد واللامسؤولية، ومخاض عسير بتوقيت غياب الرحمة والفضيلة.
انتهت دعابة الحب الكاذبة قبل أن تبدأ، والتي لطالما وددت أن أستهل بها مقالي لكي نضحك معا على حالنا وحال الواقع، بعد أن كان يوما ذرة الحب العفيف ومنارة الوفاء والإخلاص الصادق. كلمة “الحب” في مجتمعي العربي كلمة محرمة ومعيبة في لفظها ومعناها، حتى أصبح الواقع مجردا من الخصال الحميدة والمبادئ السامية ليعود كل منا جسدا بلا روح.

في وطني العربي بنى كل منا جسرا ليمنع رابط التواصل الإنساني، بين أحلام اليقظة وأحلام الواقع النائية؛ بين واقع نعيشه وأحلام وردية نتأملها قناع تكلل بحاجز من ضباب الخيال. كلمة الحب فُسرت في معاجم كثيرة حتى فقدت قيمتها المعنوية وصارت في حاضرنا “قولا لا فعلا”.

في وطني حيث الذكورية وتقديس الذكر وتفضيله على الأنثى، في وطني حيث الجرح والغضب والصوت المرتفع غير مسموح، وحيث الألم وطلب العون والهدوء والراحة من سابع المستحيلات، وحيث العلم والدراسة تفاهة ومضيعة للوقت، هكذا هو تفكير الرجل الشرقي في الوطن العربي.

في منزل كل بلد من البلدان العربية، توجد فتاة تعتبر في نظر الرجل الشرقي مسكينة ضعيفة، سأجبر على كتابة هذه الكلمة لأنقل تفاهة بعض العقول الفارغة. جرم يرتكبه الكثيرون في حق الفتاة العربية، رغم أن الإسلام كرمها وأوصى عليها، ونستحضر هنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم” لكن من سيفهم هذا القول ومن سيطبقه! لطالما اسودت وجوه بعض الآباء حينما علموا أن المولود فتاة، في حاضرنا الذي يعتقد الكثير أن المرأة العربية فازت وحصلت على حريتها، هناك عدد من النساء يعنفن ويتألمن في صمت قاتل.

ففي عصر الجاهلية كانت تدفن الفتاة وهي حية خوفا من العيب والعار، وعندما يكتب ويدافع أحد عن المرأة وبيان حقوقها المسلوبة ومكانتها في المجتمع والإسلام تقام الساعة والقيامة، ويهاجم التيار الوحشي الذي يرغب في دفن المرأة وينظر إليها على أنها مجرد وعاء وإناء للذكر، فأخطاء المرأة في عادات مجتمعي لا تغفر ولا تعد ولا تحصى، تبقى لصيقة وعار على جبين العائلة.
أما اليوم فتدفن أحلام الفتيات وتكسر بحجة عادات المجتمع وتقاليده اللامنطقية، في مجتمع يقول لا للدراسة ونعم للزواج والقفص التعذيبي، فتقتل الفتاة عوض مرة مرتين. مهما وصفت من حجم معاناة المرأة العربية عامة والفتاة خاصة، سيظل التعبير رأي فقير والشعور بها فعل ناقص ذميم باستمرار ولادة الظلم والجحود، والاجحاف واللامبالاة.

في مجتمعي يعطى الحق للذكر وان كان على خطأ ويذم رأي الفتاة وإن كانت على صواب؛ في مجتمعي يعطى الرأي والتعبير للذكر وتقمع الفتاة في آرائها وأفكارها؛ في مجتمعي تحلل كل الأمور للذكر وتحرم على الفتاة بحجة أن الرجل لا ينقصه شيء والفتاة يعابها كل شيء؛ في مجتمعي لا حرج على الذكر، أما الفتاة إذا أخطأت فتقام الساعة وتنصب مكاتب العقاب والحساب؛ هو مجتمع يفسر أمور الدين على هواه وعلى ملتقى جيوب عقوله الفارغة.

في المجتمع العربي رأيت التقصير في حق الفتاة ورأيت التفضيل والتفاخر في وجه الذكر، رأيت الفرح والسرور في وجوه الآباء والأمهات عند قدوم الذكور ورأيت القرح والجروح وملامح الحزن في وجوه الآباء والأمهات عند قدوم الإناث، رغم أن الفتاة هي الحضن والدفء والملاذ الإنساني، والحياة، والحنان، والعطف والمودة، لكن مجتمعي يقدس كلمة الرجل ويهين كلمة الفتاة وقيمتها الجوهرية.

سأحكي لكم قصة لن أقول لمن تعود، فقد تكون أنا وقد تكونين أنتِ أو أي فتاة عربية، في مجتمع يرفض فكرة النقاش والحوار السلمي ويقرر ويحكم بالتعصب وفرض الرأي والقوة في التعبير وإيجاد الحل؛ كانت دائما تحرك رأسها بالإيجاب وتقول نعم لكل الطلبات والأوامر وإن كانت تشعر بالكثير من النقص والتقصير في حقها، فتظل حبيسة بين مطرقة الرفض وسندان القبول، فتقول في ذاتها ونفسها، أكيد سيمر، ولكن عمرها وسنوات أيامها التي فكرت في التخلي عن حقها هي التي تمر، حتى تعود المجتمع على تقصيرها وضعفها وتعذيبها بحجة أنها خلقت فقط من أجل أن تلبي حاجيات ورغبات الكل؛ تحضر الطعام، تغسل الملابس، تنظف البيت، تهتم بالزوج، وتربى الأبناء ومستقبل الأمة ومع ذلك فهي مقصرة وناقصة دين وعقل، ومجنونة ومتقلبة المزاج والحياة العاطفية، هي مجرد صورة بجسد، سيأكل منها الوحش البري حينما يشتاق وتشتاق غريزته لبضع دقائق، وبعدها يشتمها ويبصق عليها، وهكذا تتوالى الأيام والشهور والسنوات على تكرار نفس السيناريو والأحداث، حتى تذبل تلك الوردة الجميلة وتصبح غصنا بلا جذورا وأوراقا متقفصة باهتة اللون، تتجسد في شكل مسلسل درامي يعيده مخرج سينمائي في شريط تليفزيوني، والكاتب على شكل رواية أدبية خيالية تنقل نبض المجتمع مع بعض الأحداث والأحلام الوردية، لتظل الفتاة تحلم بالحب الأبدي وقصة الأمير والأميرة سندريلا، والحقيقة لا وجود لهذه الأحلام والخيالات الوهمية.

كاريكاتور تعبيري

الآن دعوني أنقل لكم حزني الجريح ووجعي الأليم، لطالما تخيلت أني وسط أسرة متفهمة واعية تقدر وتراعي، لا تقصير ولا تفضيل فيها، إلا أنه سرعان ما تتغير الأوهام لتتحول إلى جحود وأفكار سلبية، سأنقل ما حدث بتفصيل ممل؛ بعد أشهر من الامتحانات المتتالية ولمدة ثلاثة أشهر من السهر والتعب وعدم الأكل والنوم، كان المنزل لا يخلو من الشجار بسبب مشكل عائلي، وكنت لا أتدخل في أي شيء. كنت أتمنى لو يمر يوم بلا صراخ ولا شجار، لكن للأسف كان يزداد الأمر سوءا ويزداد الوضع قهرا ومرارة، حاولت أن أطلب خفض الصوت لكي أركز على دراستي فيهدأ المنزل لدقائق معدودة، ثم تبدأ المعارك والفوضى من جديد.. وبعد عناء التعب والسهر انتهت فترة الامتحانات، وحان الوقت لبعض الراحة وإذا بي في يوم من الأسابيع الماضية أستيقظ بعد أن غفوت وسط صداع شديد أحدهما داخل رأسي والآخر في المنزل. خرجت وصرخت بصوت مرتفع: أرجوكم توقفوا.. لم أتدخل أبدا في معارككم فارحموني الآن، لعلي أسترجع قوتي وصحتي بعد عناء تلك الامتحانات، فإذا بالذي يعتبر نفسه أخي يرفع يده علي ويشتمني بكل الكلمات الجارحة من قبيل من أكون ﻷطلب الهدوء رغم أني لم أقل عيبا يثير هذا الغضب أو قصدته هو بالذات، وإنما طلبت فقط الهدوء من الكل، كنت أتمنى أن ينصنفي أبي وتنصفني أمي ويتدخلا للعدل والحق بيننا، ولكنهما للأسف لاماني واتهماني بأني السبب في المشكل وفضلا أخي علي، وحينها تمنيت الموت على أن أرى هذا التقصير والإجحاف في حقي. لطالما كنت ألبي كل الطلبات وأسكت وإن رأيت التقليل والتقصير في حقي.

اكتشفت أخيرا معنى أن يفضل الذكر ويفوز حتى وإن كان على خطأ لأن لا شيء يعيبه، عرفت معنى كلمة التفضيل بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعرفت معنى أن تكون رجلا فيفتخر بك ومعنى أن تكوني فتاة فيهان بها المجتمع والأهل.


الأنثى في المجتمع العربي لا تلقى تكريما ولا احتفاء عند قدومها إلى هذه الحياة مثل الذكر، فتظل تعاني من النظرة السلبية القاصرة من قبل الجميع مهما كانت كفاءتها وجدارتها وقدرتها، لا لشيء إلا لأنها أنثى، والأم تربي ابنتها لتكون مطيعة خنوعة ذليلة، مهانة محتقرة مستذلة، بينما تربي ابنها ليكون مسيطرا تغفر سيئاته وانحرافاته.

ولن أغفل عن مصطلح ظل لصيقا بالمرأة العربية ومازال إلى الآن، إنه مصطلح “كيدهن عظيم” والكيد يا أمة العرب التي تفهم المعنى على هواها، هي “الطريقة للحصول على المطلوب” مثل عمل زليخة وكيدها كان حبا وليس غلا أوحسدا، أما كيد الرجال يا أمة العرب هو حسد وحقد كما فعل إخوة يوسف عليه السلام كان كيدهم حسد.

وكإضافة سأحضر هنا شرحا مفصلا تناوله الكاتب الفلسطيني “أدهم شرقاوي” في كتابة “وإذا الصحف نشرت” حينما قال : “كلما مررت بسورة يوسف تساءلت: أي الكيدين كان أشد وطأة على يوسف، كيد الرجال أم كيد النساء؟! ألقت النسوة يوسف في السجن من فرط الحب وألقاه الرجال في الجب من فرط الحقد”!!

الكيد إذا ليس حرفة نسائية كما يظن الرجال، والحديث عن الكيد على أنه شأن أنثوي تهمة ألصقها الرجال والنساء، نتيجة فهم ذكوري للنص القرآني؛ فالآية وإن كانت تثبت وبشكل قاطع وجود الكيد في النساء، فإنها تثبت بما لايدع مجالا للشك أن للرجال حظا وافرا من الكيد أيضا! وإذا كان كيد النساء ممهورا بالصفة، فإن كيد الرجال بالمفعول المطلق، والمفعول المطلق كما يقول النحاة هو نفي مجازا!

حقيقة لم أر أبشع وأقسى من هذه التصرفات اللامنطقية التي مورست في حق المرأة العربية من ظلم وإجحاف وتعذيب، رغم أن المرأة هي نواة المجتمع وركيزته الأساسية.

يا أيها الرجل، كن للمرأة لا عليها، كن لها رجلا تكن لك كل النساء، كن لها حاميا تكن جيشك وسندك وقوتك، لا تهنها ولا تقلل منها، عاملها معاملة حسنة، خذ بيدها وكن معها جنبا لجنب، مهما فعلت من أجلها ستظل مقصرا في حقها ولن تستطيع إنصافها، فمهامها أكثر من مهامك فلا تقلل من مكانتها وقيمتها فقد خلقت من ضلعك فلا تشوه مكانتك بحجة الرجولة والسيطرة، فالرجولة ليست في فرض القوة والصراخ والعناد وكثرة الجدال وإنما الرجولة بالإحترام والتقدير والأفعال وفهم مكانة المرأة وقيمتها.


“أيقنت أخيرا أن النساء لم يكن كيدهن يوما عظيما إلا من قباحة وقداحة ما يفعله الرجال في قلوبهن”


لقد حطمت أصنام بعض العقول وتجاوزت غرور بعض منافقي الدافع وخرجت من ظلمة المجتمع إلى النور، فصارت الحرية مذهبي ومكسبي في حدودي المشروعة وإيماني بالإنسانية والفضيلة. لن تستطيعوا تحطيمي وتحطيم أحلام الفتيات بعاداتكم وتقاليدكم البالية، بعد أن أدركت قيمة نفسي عندما خرجت من ظلمة الجهل إلى نور الحقيقة، مهما قللتم منا، فلن ننهزم..!

عانت المرأة ولسنوات عديدة ومازالت تعنف باسم الرجولة، يكفينا حربا وألما، تكفينا الهموم والغموم وسحابة المستقبل المجهول، فالندوب أصبحت رسوما على الجسم من كثرة التفكير وجراح القلب تغور كلما زدات نبضات القلب. ربما سيظل سيناريو الذكورة في المجتمع الشرقي حربا باردة، لكن سنظل ننتظر أن تكلل باستقلال عادل بين الذكر والأنثى، فغدا سيأتي وتحرر فيها تلك السجينة المسكينة، وستكون ذات يوم هي الحلم وهي المراد؛ فأوصيكم خيرا بالنساء.
وبغض النظر عن طقس اليوم فأنا لست قلقة أبدا.”

دموعي الجريحة لمن سأحكيها يا مجتمع الذكورة

تعليق واحد

  1. صدقتي في كل سطر من سطور هذه المقالة يوجد الكثير من الالم والظلم
    يجب تغيير الوضع وهذا سيتم بتربية جيل يعرف القيمة الحقيقية المرأة سواء اكانت ام او زوجة او اخت او بنت
    فكما سبق واشرتي الانثى هي الحنان والرحمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *