قراءة في العوامل المؤثرة على علم السياسة بالمغرب

سبل تجاوزها وعلاقة العلم الملتبسة بالفعل السياسي

يعتبر النقاش الذي يثار حول ضعف النخب السياسية الفاعلة منها والباحثة، دافعا قويا، لفهم هذا الواقع، وإدراك الأسباب التي أفضت إليه، وملامسة بعض عناصر الحل وتجاوز هذه الاختلالات. فلا شك أن استحضار الفاعلين؛ الحزبي، والأكاديمي السياسي، باعتبارهما فاعلين أساسيين يرومان إغناء وتجديد التفكير في مسألة الحياة السياسية.

والتساؤل اليوم عن طبيعة ضعف النخب السياسية بالمغرب، فرصة للوقوف على بعض المواضيع المهمة التي ما يزال البحث السياسي والسوسيولوجي بالمغرب لم يراكم فيها الكثير، خاصة، العوامل المؤثرة على العملية البحثية والدور الذي تمليه الضرورة البحثية في علم السياسة على الفاعل السياسي بالأساس.
تستهدف هذه الدراسة الكشف عن العلاقة بين علم السياسة والفعل السياسي، ثم الكشف عما إذا كان الفاعلون السياسيون يضطلعون فعلا بدورهم في تجويد البحث السياسي عن طريق البوح بتجاربهم السياسية. كما ستمكننا معالجة هذا الموضوع من التأكد مما إذا كانت الفواعل السياسية بالمغرب هي بنفسها تحتاج إلى بحث علمي يجود دورها. هذه الحلقة الدائرة بين الفاعل السياسي والباحث، هي المحدد الأساسي لموضوع الدراسة.

في ضوء ما سبق يمكن صياغة إشكالية نتساءل من خلالها عن العلاقة الملتبسة بين العلم والفعل السياسي وتأثيرها على العملية البحثية، والعوامل المؤثرة على علم السياسة بالمغرب وسبل التجاوز.
وانطلاقا من التقديم والإشكالية أعلاه نطرح جماع الأسئلة التالية:
– ماهي العلاقة الرابطة بين العلم السياسي والفعل السياسي؟
– هل يضطلع الفاعلون السياسيون فعلا بدورهم في تجويد الفكر السياسي بالمغرب؟ ألا يحتاج السياسيون هم أنفسهم، إلى تجارب سياسية مؤطرة علميا للنهوض بأدوارهم في الحياة السياسية؟
– ما هي العوامل المؤثرة على العملية البحثية للعمل السياسي بالمغرب؟


أولا: العلاقة الملتبسة بين العلم والفعل السياسي وتأثيرها على العملية البحثية

تواجه العلوم الاجتماعية تحديات ذات طبيعة بنيوية تمس هويتها وجوهرها بسبب طبيعتها التفاعلية، وتداخلها مع موضوعاتها، وهذا التداخل المفترض استقلاله يعرفه علم السياسة منذ بوادر ظهوره؛ مما جعل العلم يسقط في “أزمة هوية” بسبب صعوبة إيجاد المسافة الكافية بينه وبين موضوعاته، كما فعلت تخصصات أخرى أعادت توصيف موضوع دراستها بصورة كرست استقلاله، مثل “الثقافة” الأنثروبولوجيا أو “المجتمع” علم الاجتماع أو “الاقتصاد” علم الاقتصاد. في المقابل، نجد “السياسة” باعتبارها مجالَ دراسة، تطرح تحديا مزدوجا للتخصص. فمن جهة، هناك فهم مقصود عند البعض وضمني عند الغالبية، بأن لدراسة السياسة في حد ذاتها بعدا سياسيا للتأثير في الفعل السياسي أو “الحياة السياسية”، لكن من جهة التخصص يُرى ضرورة عزل العلم السياسي عن الساحة السياسية، والتمترس في أبراج الجامعة حتى ينسب إلى نفسه استقلالية.

قبل الخوض في غمار المفاهيم، دعونا نفهم السياسة، ونطرح السؤال الآتي؛ هل يوجد أحد قادر على أن ينأى بنفسه عن الوقوع في دائرة التأثير السياسي؟ سواء شئنا أو لم نشأ، فالمواطن يتعامل مع السياسة عند تصريف أمور الدولة، والمدينة، والنقابة، والحزب السياسي، والجمعيات التطوعية.. وغير ذلك كثير من منظمات عديدة أخرى، فالسياسة هي حقيقة من حقائق الوجود الإنساني لا يمكن تحاشيها، فكل فرد يجد نفسه مشترك بطريقة ما داخل هذه الدائرة المفروضة على الكينونة المجتمعية. إذا؛ السياسة حقيقة مرتبطة بالوجود الإنساني، وهذه ليست خلاصة توصلنا إليها اليوم، بل واقع له جذور متأصلة في التاريخ القديم{1}.

إن سبر أغوار علاقة الفعل السياسي بالعلم السياسي تقتضي أولا البحث في القصد الدلالي لهذين المجالين، فالأول يهم الفعل “النخبوي”{2} بغطائه السياسي اتجاه أمور الدولة؛ هذا الفعل غالبيته حرفة سياسية غير مؤطرة، وغير مبنية على أسس علمية؛ وهذه إحدى السمات المميزة للحيوات السياسية العربية في ظل الديمقراطيات الليبرالية. أما علم السياسة فهو علم حديث النشأة مقارنة بعلوم اجتماعية أخرى، يعنى بدراسة وفهم وتحليل الجسم السياسي بوسائل علمية راكمها مفكري وباحثي المجال، قبل، ومع تشكل العلم. إذا علم السياسة يعنى بدراسة الفعل السياسي نظرا لانصهار هذا الأخير في الجسم السياسي الذي هو أحد المواضيع الأساسية لعلم السياسة، ويهدف علم السياسة في هذا الاتجاه إضافة للإسهامات السالفة الذكر؛ إلى تجويد الفعل، وتمكين الفاعل انطلاقا من نظريات علمية، نستحضر هنا على سبيل المثال لا الحصر (المقتربات النظرية لصناعة القرار السياسي{3}؛ نظرية الاختيار العقلاني الشامل، النظرية التراكمية، نظرية التحليل المزدوج…)، وبالتالي ضبابية العلاقة من جهة علم السياسة اتجاه نظيره أضحت واضحة، لكن ماذا عن طبيعة العلاقة اتجاه علم السياسة من وجهة الفعل السياسي؟ هل يسهم هذا الأخير بفاعليه في تجويد علم السياسة، علم السياسة بالمغرب خصوصا؟ أم هي علاقة مِعطائية من جانب واحد؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي بنا الرجوع إلى إسهامات علماء السياسة الأمريكيون الأوائل سعوا للحصول على موارد من الكونغرس بعد الحرب العالمية الثانية لتمويل شعب العلوم السیاسیة كتخصص مستقل عن باقي الفروع الأكاديمية، كانوا يؤكدون الحاجة إلى هذا التخصص لكي یمد صانع القرار في دولة تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة عظمى، بمعرفة قوانین السلوك السياسي والتي تسمح بمعرفة ليس الحاضر فقط، بل وتنبئ المستقبل، وتهيء صانع القرار بالمعرفة التي تسمح لهم باتخاذ القرارات المناسبة للأوضاع التي يعرفها بشكل أفضل عن طريق علم السياسة{4}. هنا تبرز إحدى العلاقات رغم طابعها البراغماتي؛ فالمتخصص السياسي سعيه تمويل شعب السياسة وإحقاق استقلالية العلم، والفاعل يسعى إلى تجويد فعله انطلاقا من دراسات نظيره. ننقل هذا العلاقة ونسقطها على التجربة المغربية في هذا الإطار، ونتساءل هل يستفيد الفاعل السياسي من دراسات الباحث؟ وهل يضطلع الفاعل السياسي فعلا بدوره في تجويد البحث السياسي بالمغرب؟ للأسف؛ وهذا ليس حكم مسبق، بل واقع مرير تعيشه الحياة السياسية بنخبها بالمغرب، وجملة التجارب السياسية بالمغرب تبرهن هذا الغياب الترابطي بين الباحث السياسي والسياسي الفاعل، إضافة إلى الكتمان والتستر التجاربي الشخصي لأغلب الفاعلين السياسيين (وزراء، برلمانيين بالخصوص)، وهذا معطى سلبي يصعب سبل الباحثين لفهم الحياة السياسية، والجهاز السياسي بشكل عام.

سنحاول من خلال المحور الآتي الوقوف على بعض العوامل المؤثرة في عسر تجويد العلم السياسي بالمغرب، ونقدم بعض السبل لتجويده.

السياسة-بالمغرب
صورة من داخل قبة البرلمان المغربي

ثانيا: العوامل المؤثرة على علم السياسة بالمغرب وسبل التجاوز

في توطئة لكتابه «أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية» يعترف الباحث ذو الأصول الأمريكية «جون واتربوري» John Waterbury؛ بأن الكتابة حول الحياة السياسية عند المغاربة، وما يجري في بلدهم، تعد أمرا يحمل مخاطر كبری بالنسبة لمن يعيش وقائعها، الأمر الذي يؤسف له إلى حد كبير{5}. وفي هذا الباب يغتنم الفرصة «واتربوري» ليوجه دعوة للباحثين، بدل أن يتحملوا باحثين غربيين مثله تحليل للنسق السياسي المغربي، فالباحثون المغاربة مطالبون بخوض هذه المعركة العلمية من أجل استجلاء مضمون ومكنون وبنية السلطة السياسية في المغرب، خصوصا وأن عددا من المثقفين يقول «واتربوري» مسترسلا، يملكون آراء أصيلة وخصبة حول مشاكل بلادهم السياسية.

وإن كانت ملاحظة «جون واتربوري» ترجع لحقبة السبعينات من القرن الماضي، إلا أن حقيقة كلامه لا زالت تنطلي على واقع البحث في الحياة السياسية المغربية إلى وقتنا الحاضر. فالكتابات العلمية حول النسق السياسي المغربي لا زالت لم تحقق ذلك التراكم المعرفي الذي قد يشفي غليل المنقبين والباحثين في بنية هذا النسق وآليات اشتغاله. ونستحضر هنا نموذج مسألة «العوامل المؤثرة على علم السياسة بالمغرب»، الذي لا نكاد نجد له إلا كتابات يتيمة، الشيء يجعل من مسألة تجويد علم السياسة بالمغرب من المواضيع غير المفكر فيها، أو المتجنب الخوض فيها، بالرغم مما يتميز البحث فيها من مكانة بارزة، كأحد المباحث الرئيسة والانشغالات المركزية لعلم السياسة المعاصر، نظرا لما يقدمه من دعامات تفسيرية وتحليلية لطبيعة اشتغال الفاعلين السياسيين داخل اللعبة السياسية. وفي هذا الصدد نخلص إلى عدة عوامل تعرقل العملية التجويدية للعلوم الاجتماعية بصفة عامة، وعلم السياسة بشكل خاص.

بروز النخب السياسية اليوم رهين بالعملية السياسية في حد ذاتها، باعتبارها المحدد الأول في ظل الديمقراطيات الليبرالية لإنتاج النخب السياسية الفاعلة والباحثة منها عن طريق التأطير السياسي، وتجويد الفعل السياسي من جهة، وتعزيز البحث السياسي داخل الجامعات من جهة ثانية. وسبيل تحقيق ذلك رهين بالارتباط العلمي المفترض بين الفاعلين السياسيين والسياسيين الأكاديميين، هذا الارتباط جدواه تبادل المعارف العلمية، والتجارب السياسية للفاعلين والأكاديميين، لكن وجوده المفترض داخل الحياة السياسية المغربية لتجويد الحياة العلمية والعملية السياسية، غير حاضر، وهو وسيلة، ونتيجة منطقية لضعف النخب في آن واحد.

كما يشكل الفكر الأبوي التخويفي عائقا للأجيال الناشئة ويسهم في بناء تعليمي محكوم بالفشل قبل ولادته نتيجة فكرة الآباء المبنية على “لا تتكلم في السياسة وإلا سيكون مصيرك مجهول أو يزج بك في أغوار الأرض المظلمة” هذه الفكرة كما سماها جورج أورويل “بجريمة الفكر” تجعل جيلا يخطو خطوه بعيدا عن كل ما يتعلق بالسياسة سواء قضايا أو انتماءات سياسية، وهذا ما يؤثر سلبا على علم السياسة نتيجة الأفكار المسبقة عن السياسة من قبل أغلب الوافدين على كليات الحقوق. كما أن ضعف الاهتمام بعلم السياسة من قبل الساهرين على القطاع التعليمي يسهم بشكل مباشر في اندثار العلم من الجامعات.

الوقوف على معيقات تقدم علم السياسة بالمغرب ضرورة تمليها الرغبة في تجويده، ولعل ما أبرزناه أعلاه يوضح بالملموس توجه علم السياسة نحو الاندثار من الجامعة المغربية، وبالتالي خطوة الإصلاح تسائل الفاعل السياسي والباحث الاكاديمي والمسؤول الإداري.

المراجع

{1}- راجع الكتابات السياسية الأولى لأفلاطون وأرسطو.
{2}- القصد بالنخبة في سياق الكتابة؛ القلة، لأن مفهوم النخبة تشوبه ضبابية، وأصبح مفهوم وصفي مفرغ المحتوى.
{3}- جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمة عامر الكبيسي، (بغداد: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2003) ص 24.
{4}- عبد الحي مودن، “هل هناك حاجة لعلم السياسة؟” (مجلة رباط الكنب، بدون عدد) 23 مارس 2013، رابط المقال: https://ribatalkoutoub.com/?p=972
{5}- جون واتربوري، «أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية»، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، مؤسسة الغنى للنشر- الرباط 2004، ص 14-13

قراءة في العوامل المؤثرة على علم السياسة بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *