الإيمان وأثره في تحرير الإنسان

الإيمان والتوازن النفسي للإنسان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام التامان الدائمان على رسول الهدى وإمام التقى المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:

قلت في منشور سابق بأن: ” الوسيلة الكبرى لتحرير الإنسان  في الفكر الإسلامي هي [ الإيمان ]  على اعتبار أنه يحرر العقل والوجدان والضمير الإنساني”
فسألني  بعض الأفاضل عن بيان ذلك، لأن الكلام عام ويحتاج إلى توضيح وتمثيل، فقلت مستعينا بالله سبحانه وتعالى طالبا المعونة منه  لتجلية ذلك. مسألة منهجية.

لعل من الأجدر لبيان المقصود أن نبدأ أولا بتعريف الإيمان الذي ننطلق منه ونبني عليه ما بعده، ذلك أن تحديد المفهوم يعتبر أمرا غاية في الأهمية، لأنه ضرورة  منهجية وخطوة علمية عملية، وكما يقال المفاهيم مفاتيح العلوم ونور للفهوم وبها يكون الحديث مجديا مع الخصوم، فإذا أحكمت صياغتها ابتداء كانت النتائج علمية في النهاية، مرضية لكل الأطراف.

و المفاهيم ليست من الجمادات كما يظن البعض ممن حرم حاسة الذوق العلمية، وظن أن الحروف  لا تنفعل، متجاهلا بقصد أو بغير قصد ما وهبت من حياة؛ والأمر لا يقتصر على هذا الذي قلناه فقط، وإنما يتعداه إلى أكثر من ذلك بكثير، فهي – المفاهيم-  قوالب للمعاني والدلالات  وتحمل بين حروفها الحياة، وهي الفلسفة لكل أمة من الأمم فهي قلبها النابض ولسانها الناطق وجوارحها التي تصنع بها حركة التحضر والرقي فلا تظن أن الأمر سهل هين.

من هذا المنطلق وبهذا الفهم نقول إن الإيمان- ولن نجد أفضل مما عرفه به المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل – حيث يقول: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

وانطلاقا من استقراء معاني الوحي وفهم كلام الصادق المصدوق عرف علماؤنا هذا المصطلح فقالوا: هو التصديق القلبي اليقيني بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

أوقل هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والأركان.
أو كما عرفه الدكتور عبدالمجيد النجار بقوله ” ما وقر في القلب من تصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من حقائق الوحي مضافا إليه العمل السلوكي بمقتضيات ذلك التصديق من أفعال الجوارح، فإذا ما اختل هذا أو ذاك بالجحود انهدم الإيمان، وإذا ما اختل العمل  السلوكي بالتقاعس أو الاستهتار انحدر الإيمان في سلم القيمة إلى تخوم تلامس الانهدام.

وهذه التعاريف لمن تأملها وتدبرها يجدها ترتبط ارتباط وثيقا بما قلناه؛ وإن اختلفت الصياغة والأبعاد التحليلية، فذلك يعود لارتباط التعريف بالموضوع ،إذن نستطيع أن نقول بأن الإيمان  يحرر العقلَ و الوجدان و الضمير الإنساني، وبيان ذلك  نبسطه  في مايلي :
* تحرير الإيمان للعقل
مما لا شك فيه أن للعقل مكانة عالية، ومنزلة رفيعة سامية، بوأها له ديننا الحنيف وجعله مناط التكليف، والذم له كان من جهة الزيغ والتحريف، أما  أصحاب العقول النقية المؤطرة بإطار الشرع؛ فقد و صفهم بأوصاف لن تجد في غير دين الله من وصفه بها، ولم يكتف بهذه الأوصاف بل حرم عليه كل ما قد يضر به أو يعطله من جهة الشريعة، وحث على إعماله تفكرا و تدبرا حتى يستجلي بعقله ما غمض وخفى من أسرار الطبيعة، وبهذا جعله محللا مستنبطا  متمهرا مبدعا، لا يقبل بالمسلمات إلا إذا كانت وفق المنهج العقلي المؤطر بالضوابط الشرعية، فسار بذلك عقلا ممحصا للمعرفة يقبل صحيحها ويرفض سقيمها وضعيفها، ويطرد هذا على النقليات التي استوفت شروط النقل الصحيح، وهذا مما أبدع فيه علماؤنا وانفرد به فكرنا حتى أصبحنا القادة فيه، ومنطلقه وغايته إيماني لا شك فيه، وهاك نصا واحدا ولك أن تتبع  نصوص الوحي تجد ذلك واضحا بينا،  يقول ربنا عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات الأية6 ].

والإضافة إلى ما ذكرناه قبلُ، نجد تلك العلاقة بين الإيمان والعقل من خلال إجابة الإيمان على تلك الأسئلة الكبرى التي تحار فيها العقول وتشرد بها بعيدة سابحة في بحر الظلمات، ولولا  الإيمان الذي يجعل لها بوصلة واضحة تحملها وتحمل الإنسان في قراب  النجاة لضّل تائها طوال عمره وهذه الأسئلة الوجودية هي:
مما خلقنا؟
وما غايتنا؟
وما هو مصيرنا؟

و الإيمان أجاب عنها بنصوص واضحة يثق العقل فيها  غاية الوثوق، و يطمئن لها القلب غاية الاطمئنان
وبهذا تبين لنا أن الإيمان فعلا حرر العقل وفك عنه تلك القيود وجعله حرا يسبح في ملكوت الله سبحانه وتعالى.

* تحرير الإيمان للوجدان. لعل من أسمى غايات الإنسان في هذه الحياة أن يجد لذة العيش والرضا والاستقرار النفسي والسعادة والطمأنينة  والبعد عن كل ما قد يجعله مضطربا وهذا ما يجعله يبحث جاهدا عن كل ما يحقق القرب من  السعادة، ونحن لا نقول بالسعادة المثالية فهذا شيئ لا يتحقق في هذه الحياة الفانية أبدا، وإنما تبقى السعادة التي نسعى إليها تلك السعادة النسبية الممزوجة ببعض الإكرهات الطبيعية التي هي من ضمن تلك السعادة الموصلة إلى الفوز الأبدي الخالد ونيل الجائزة في جنة الفردوس إن شاء الله.

وهذا الذي ذكرناه مبعثه شيء أكثر من مجرد الماديات التي تبقى لذتها  لحظية آنية، وإنما موطنها ومنبعها الإيمان بما هو إيمان محقق للتوازن الروحي الوجداني الذي يعالج الأمراض النفسية ويهدئ من روعها، ويجعل الإنسان يعيش بهدف في هذه الحياة، فيستطيع من خلاله أن يعرف ما بينه وبين خالقه وما بينه وما بين ذاته وما بينه وبين غيره، فهذه المعرفة هي التي تعطي للوجدان الدواء وللجوارح الشفاء .
يقول تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ [النمل: 60]
قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].

* تحرير الإيمان للضمير الإنساني
قد يستغرب البعض إذا ما قلنا إن الإيمان يجعل الضمير الإنساني محررا من الكل القيود التي تكبل حركة الإنسان في آفاق الكون الواسع وتدفعه دفعا نحو الخير والعطاء، لكن هذا الاستغراب سرعان ما  يزول وينمحي عند أول وهلة، وخصوصا إذا ما مثلنا له بأمثلة حية وانتقلنا به من  الجانب التنظري إلى الجانب التمثيلي والتنزيلي.
لقد استطاع الإنسان المؤمن أن ينطلق بفكره وروحه في شتى المجالات مبدعا أيما إبداع، سواء على المستوى الفكري أو غيره،  فرأينا التشجيع على التفكير السوي الذي انتقل بالإنسان من الجاهلية المحطمة إلى التحضرالباني للحضارة النافعة للإنسانية جمعاء، ورأيناه يشيد العمران ويبدع  فيه زخرفة وتفننا ليس لشيء وإنما استجابة للدفاع الإنساني العميق في النفس البشرية، ونقول بكل اطمئنان أن ذلك مرده إلى إظهار أثر قدرة الله الخالق جل شأنه، الذي خلق الإنسان وأودع فيه الضمير الحي ووجهه بالإيمان الصافي، وأودع فيه القدرة على العطاء والإبداع،  فكان من هذا الإنسان إلا أن يوجه كل ذلك توجيها صحيحا فيسعد في الدنيا والآخرة.
و بهذا الذي ذكرنا  نستطيع أن نقول بأننا قد أجبنا عن تلك العلاقة بين الإيمان والعقل وبينه وبين الوجدان والضمير وأن الإيمان بالله كان بحق أفضل السبل وأقواها في تحرير الإنسان وجعله أكثر فاعلية فهو بهذا ينشط العقل ويوجهه ويضبط النفس ويعدلها ويوجه السلوك نحو الأقوم. والحمد لله الذي أتم علينا نعمته و هدانا إلى صراطه المستقيم.

الإيمان وأثره في تحرير الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.