ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام

من منا لا يملك أحبة تحت التراب ، لقد دفنا أعز ما نملك تحت التراب ، هناك من ودع أباه ، أمه جدته وجده … ربما هكذا معادلة الحياة خُلقنا من تراب لنعود إليه ، نبكي ونتألم على فراق الميت نحاول جاهدين أن ننسى ذلك العزيز ، ولكن أه! على أول ليلة بدونه عندما تعودون للبيت وترون غرفة سريره ، ملابسه .. هي أشياء تؤلم حقا فابتسامته تترأى هنا و هناك …

ستصبح كل الخلافات مع الميت ذكريات جميلة ، ستتمنى لو أنها عادت ، لكن لا ، فالآن صاحب الذكريات تحت التراب ، ربما يسمع صوت أقدام أحبابه وأقربائه يغادرونه ، اليوم لا فائدة من الدموع والورد والبكاء ، فكلها كانت يجب أن تعطى قبل ، أظن أن ما يحتاجه الميت ليس البكاء والورد و إنما الرحمة و التصدق عليه .
أكثر ما يريحني شخصياً هو أننا عندما نموت نكون بين يدي الذي هو أرحم بنا من أمنا التي أنجبتنا ، أي أن رحمة الله بالعبد فاقت تصور العقل البشري ، وقدر الموت هو أجل مكتوب في الصحف المحفوظة ، هو قدر الإنسان لن يخطئه لقوله عز وجل:﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ الآية 78 ، سورة النساء .
كل الأشياء التي تأتي من عند الله هي خير ولو بدت في ظاهرها شر ، حتى الموت في بعض الآحيان خير كثير .

ربما الموت كما قال محمود درويش:

«وحياتُنا :
هي أن نكون كما نريدُ
نريد أَن نحيا قليلاً ..
لا لشئِ
بل لِنَحْتَرمَ القيامَةَ بعد هذا الموت»

ربما الموت أنواع ولكن أبشع نوع هو أن تموت وأنت على قيد الحياة ، أي أن تحيا بطريقة مخالفة لتصورك أن تمارس مهنة لا تحبها ، أن تفقد الشغف ، أو أن تفقد حلمك ، كلها أشياء ستجعلك جسداً دون روح .
ما يطمئنني أكثر هو أن الحياة فانية سواء عشت خمسين سنة أو ألف ستموت ولو بعد حين ، لن تشفع لك سوى أعمالك وأفعالك ، كل شيء زائل في هذه الدنيا ، ما نظنه جمال هو محض أقل شيء ، نرى الدنيا الدنيئة جميلة جدا فما بالك بالجنة كيف ستكون مع رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مع أحبابنا الذين فقدانهم في الأرض ، لكنهم عند أحكم الحاكمين الله ، سنرى الله ، كل هذه الأشياء تستحق المجازفة بشهوات الدنيا ، لأنها ليست النهاية بل يجب أن نعود لأصلنا الذي هو الجنة … سيفنى كل شيء على هذه الأرض سيبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام .

مريم الكربة

طالبة بيولوجيا، عاشقة الطب،كاتبة و مدونة لدى منصة معاني... أهتم بالتطور الطبي والعلمي...وأحب المسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.