لا مفر من الواقع

أمل تبدد كالسحاب

حزمت أمتعتها ولبت دعوة ابنها وعزمت على اللحاق به غير مبالية بوداع أو فراق ولا حتى بطعم الغربة الذي ستعاني منه، الشئ الأهم الذي كان يشغلها هو اللقاء بابنها واحتضانه بعد طول غياب، كانت دائما تردد :” حينما يحصل ولدي الحبيب الغالي على أوراق إقامتي معه سوف لن أكترث لشئ في هذه الحياة، فورا سألتحق به”.

وصلت المطار واستقبلها ابنها بترحاب مبالغ فيه لدرجة جعل عموم المسافرين يلتفتون ويحملقون في الأم وهي تحتضن ابنها في مشهد مؤثر أدمع جل الأعين وتأثر الجميع بذلك الموقف الذي يتمناه كل والد بعيد عن فلذة كبده، وكل ابن عانى ويعاني من فراق والديه.

رافقت الأم ابنها نحو مقر سكناه، أذهلت بمنزله الجميل المرتب، في البداية لم تعر الأشياء المنظمة شديد انتباهها، بل تحدثت مع نفسها قائلة:” لقد تغير ابني كثيرا إلى الأفضل وأصبح يهتم بالنظام والترتيب كثيرا، الحمد لله لقد علمته الغربة الاعتماد على النفس والاهتمام بكل صغيرة وكبيرة في بيته“. وبعد لحظة وهي تتجول في المنزل وخاصة بحجرة نومه، عثرت على صورة لفتاة شابة، تساءلت في البداية وهي تحملق بالصورة: “ربما هذه ممثلة أو مطربة غرْبية أعجب بها ولدي، آه هؤلاء الشباب إنهم حمقى ومتهورون”. لحق بها ابنها وأجلسها على حافة سريره وتردد كثيرا، بل وجد صعوبة قبل أن يفاتحها بالموضوع ، لكن حين وضعها أمام الأمر الواقع محدثا :” أمي لو لم أقم بهذه القفزة -فهو سماها قفزة- لما كان بإمكاني أن أحصل على أوراقنا نحن أنا وأنت، لو لم أقدم على الزواج من هذه الفتاة لما امتلكت حتى هذا السقف الذي يغطي كلينا، كل الفضل يعود إلى “لوسيا” هي الوحيدة التي ضحت بكل شيء من أجلي“.

تمتمت الأم بلسان متلعثم وساقاها بالكاد تقف عليهما وهي كالعمياء تكاد لا ترى الطريق من شدة انهمار دموعها وصاحت بصوت مبحوح:” هذا قدرك أيتها الأم التي ربيت وكبرت وأردت أن تفرحي وتسعدي مع من أنشأت لكن للأسف “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

عادت الوالدة فورا من حيث أتت، وركبت أول طائرة قاصدة بلدها الأم، انهمرت دموعها كالسيل حتى جفت، اختارت الوحدة والعزلة، وكان الألم يعصر فؤادها ويدمي قلبها لكن ما العمل؟ صدقت جدتي رحمها الله حين كانت تردد مثلا شعبيا يقول:” البكاء من وراء الميت خسارة“. إن البكاء أو الحزن لا يجدي نفعا في مثل هذه المشاكل بل يزيدها كما يقال بلة.

في الحياة تصادفنا مشاكل عويصة من الواجب أن نتحداها ونواجهها بصبر وعزيمة، وإلا كسرت ظهورنا وطمستنا تحت أنقاضها.
إن الحياة ورقة امتحان إذا اجتهدنا فيها كان الفوز حليفنا، وإن نحن تهاونا كان مصيرنا الفشل. صحيح أن الفشل في العديد من أحوال حياتنا هو بداية النجاح، هو الصفعة التي توقظنا من السبات، وتعلمنا كيف نصحح هفواتنا ونتعلم بسببها القفز فوق تلك الحفر الخاطئة، دون أن نكرر السقوط فيها باستمرار.

ظلت الأم كاتمة حزنها متحسرة وباكية ومتنهدة لا تدري ما العمل، فالفرح انقلب عندها قرحا والأمل تبدد كالسحاب لم تأت بعده شمس مشرقة ولا ظل منعش، بل تحول القلب إلى أرض بور تتآكله الأشواك، بدأت حالة الأم تتدهور شيئا فشيئا، وأصبحت كالوردة الذابلة مهما رويتها زادت أوراقها في التساقط والاجتفاف. للأسف الشديد فقد شلت الأم من يدها شللا نصفيا، وعاشت بعاهتها تلك طول حياتها.

لكن رحمة الله ولطفه أحاطاها من كل جانب وصوب، فهي لم تكن أما لولد واحد، بل كانت ترعى أربعة أطفال أُخرين، وشاء الرحمان أن وهبها ابنة مثل اللؤلؤة أصبحت لوالدتها بمثابة يدها التي شلت، وكبرت الابنة ونضجت وكانت هي الصديقة والأخت والأم التي ترعى من أنجبتها، لو تأملتها سبحان الله، لوجدتها كملاك تعتني بوالدتها ولا تفارقها إلا حين تتفرغ لدراستها، حتى الجامعة اختارت أقرب جامعة كي لا تبتعد طويلا عن أمها.

والزوج كذلك ما شاء الله كان رؤوفا عطوفا على زوجته، ضحى بالغالي والنفيس من أجلها، وشارك هو أيضا في أعمال البيت وفي تربية بقية أطفاله ولم يشعر زوجته أبدا بعاهتها لدرجة أنه رفض إطلاقا الزواج بغيرها، بل على العكس من ذلك كان يخفف عنها ويبين لها أنها تضخم موضوع زواج ابنهما من فتاة غير مسلمة، وتعطيه فوق ما يستحق من أهمية، موضحا أن كل واحد يتحمل مسؤولية اختياره.

خضعت المسكينة للأمر الواقع اليوم وهي جدة بالرغم عنها لوَلدي ابنها، فقد سامحته في النهاية لكنها تقول:” إنه ابني وأنا أمه ولم أخسر سوى صحتي بحزني وكآبتي، ماذا عساي أن أفعل فهل سأغير المكتوب؟ مستحيل. آه لو كنت قد سألت نفسي هذا السؤال قبل أن أفقد عافيتي. إنه الواقع ولا مبدل للواقع إلا الرحمان مهما حزنت ومهما بكيت”.

تأملت في مثل جدتي الشعبي فاعتبرته حكمة : حينما تحل بنا مشاكل كيفما كان نوعها وابتلاءات بكل ألوانها، علينا أن نتريث ونبحث لها عن الحلول اللائقة بها بكل ذكاء واجتهاد بعيدا عن عامل الغضب والولولة والصياح، فكل هذه الأوصاف هي نوع من الجهل والغباء، ونتيجتها صدمات وكآبة تحل بنا، لا داع للنحيب وراء ميت، بل علينا أن نستنجد بالخالق كيفما كانت الظروف ونطلب رحمته ونرجوه ونتوسله أن يتلطف ويترفق بنا، لأن الإيمان يستوجب منا الصمود والثبات كي نواجه المصاعب وننجو من المتاعب والصدمات والتي قد تؤدي بنا نحو الهلاك.

لا مفر من الواقع

نادية حجاج

ربة بيت، مدونة مغربية قاطنة بالديار الإسبانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.