ريان.. التحذلق والشهرة

إنّ الحياة الدنيا لا تسير أبدا في خطٍ مستقيمٍ.. هي دائمة التذبذب، فلا تكاد تصفو لأحد!

فالمشقة والشدائد والمصائب والبلايا ضيف -مؤقت- لابد منه؛ هي سنة الله التي لا تتبدل مع عباده، وهذه حقيقة يؤكدها الله تعالى في القرآن الكريم حيث يقول سبحانه وتعالى في الآية الرابعة من سورة البلد: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} يكابد فيها المشقة والمصائب، وهذا أمر حتمي، كحتمية الموت !
وبذلك، نحن نتساوى في البلاء بحسب معدل الإيمان الخاص..

كما يؤكد رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم: “يُبتلى الرجل على قدر دينه”. في الوقت الذي يظهر فيه البلاء للبعض على شكل وفاة شخص عزيز أو مرض مزمن خطير، قد يكون بلاءً غير متجلٍّ للبعض الآخر بذاك الوضوح!
فالجهل ابتلاء.. والاستدراج للتمادي في التمرد على أوامر الله ورسوله.. أيضا ابتلاء..
وليست كل العطاءات الربانية هدايا.. قد تكون أعظم البلايا!

فكيف يتعامل الإنسان المغربي مع المحن؟

في كل حدث -مؤلم- أظهرت ملامحه الشاحبة وسائل التواصل الاجتماعي.. ينقسم الناس إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يكون وفيا للقضية، متفاعلا معها بترقب وعجز مريعين
فيحاول أن يكون خَدوما ملء قدرته، وقد يتماشى مع الوضع -في بعض الأحيان- بمبدأ نكران الذات بشكل كامل.. كما فعل الشباب الذين حاولوا الدخول إلى البئر واستخراج الطفل ريان منه..
كرروا المحاولات دون أن يفكروا بأن تلك الدقائق التي سيقضونها في البئر العميق المظلم، قد تكون آخر لحظات حياتهم..

جنازة-الطفل-ريان-بقرية-إغران-بشفشاون
جنازة الطفل ريان بقرية إغران بشفشاون

النوع الثاني: يكتفي بالانتقاد وراء الشاشات، وهو في وضعية مُريحة جداً.. اعتقاداً بأنه مصدر مثالي للحلول والخُطط النموذجية لحل المشكلة.
قد يلعب أدواراً كثيرة تتماشى مع نوع القضية الرائجة. فهو المهندس المدني والطوبوغرافي والطبيب في عملية إسعاف الطفل وتحليل مدى قابلية جسمه لتحمل الجوع والعطش وقلة الأوكسيجين، ثم يَنتقل البعض منهم إلى دور رجل أمن ويَشرع في التحدث عن خُطط بديلة -أفضل- من وجهة نظره، لتنظيم عملية الحفر للوصل إلى ريان في قاع البئر بشكل سَليم.
وقد يتحمس البعض قليلا، فيتخيل نفسه مناضلا في ثورات الخريف العربي .. ويَحث الناس على النزول إلى الشوارع وتغيير النظام الحاكم، وأن البلاد غارقة في مستنقع الظلم والمعاناة اللذَيْن خدشا وطنيته.
ذلك الخدش، الذي أخرج منه تشي جيفارا الذي بداخله في وقت قياسي !

أما النوع الثالث: والذي يكاد يكون أشد جهلا بمبادئ هذا الدين القائمة على المؤازرة في المحن والتآخي للتجاوز..
ذاك الذي اتخذ لنفسه دينا جديداً، دين “الاشتراكات” في القنوات على منصة اليوتيوب.. !!

هل يصدق العقل بأن هناك مَن سافر من مدينته صوب مكان الحادثة الأليمة، فقط ليشهر قناته ويقول من خلالها لمتابعيه ها أنذا حاضر في هذه المأساة؟!
فالصنف الأول، هم من يحتاج دعمهم الطفل ريان وأهله، لأنهم آثَروا الصّدق على أشياء أخرى.
والصنف الثاني، أولئك المُتحذلِقون الذين يفهمون في كل شيء، ولا يحاولون تقديم منفعة عامة بتأخير ردود الأفعال إلى حين وقتها المناسب؛ فالصمت حكمة – أحياناً -.
أما الصنف الثالث، فهُم الذين اتخذوا حبهم للشهرة دينا يتماشى مع مبادئهم الهشة..

نعوذ بك يا الله من أن نَتخِذ أندادا من دُونَك !
رحمك الله يا ريان وأبدل محبتنا لك صبرا على فراقك.

ريان.. التحذلق والشهرة

سعاد محبوبي

أعمل مُدرّسة لغة الفرنسية، وكاتبة نهمة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.