الفيمينيزم والمجتمع الذكوري

تطرف الجنسين

قد يرى البعض أن منشوري هذا هو بمثابة تهجم على المرأة وقضاياها أو على الرجل ومكانته في المجتمع، لكنني أكتبه باحثا عن علاقة وسطية تجمع بين الرجل والمرأة دون منطق صراع مبني على ثنائية الأنثى/الذكر، باحثا عن علاقة بين الزوج والزوجة، الأخ والأخت، الأب والبنت، الأم والإبن…


بعيدا عن بكاء التيارات النسوية العلمانية التي ظاهر أهدافها تحرير المرأة من سلطة الأعراف وباطنها تفسخ المرأة من قيمها الأخلاقية؛ تحرر ينبني على حرية الجسد والأهواء.
وبعيدا عن عقلية عرب الجاهلية، حيث كانت تُوأد الأنثى حية وتورث كقطيع من الغنم.
أبحث عن العلاقة التي من أجلها خلق الله آدم وحواء وجعلها سكنا له وجعله حصنا لها، علاقة بنيت على المودة والرحمة والسكينة والتعاون لا على القطيعة ومنطق الصراع وتقاسم الأدوار، ولا على التسلط والهيمنة ومنطق السيد والعبد.

عبد-الوهاب-المسيري
عبد الوهاب المسيري

الفيمينيزم كتيار فكري وكنظرية كما يعرفها عبد الوهاب المسيري في كتابه “المرأة بين التحرر والتمركز حول الأنثى”، هي حركة نسوية تدعو المرأة إلى التمرد على كل الأعراف والقيم والمبادئ خيرها وشرها سواء أعراف قد تقبلها المرأة المسلمة لارتباطها بدينها كفريضة الحجاب أو أعراف وجب فعلا نبذها.

الفيمينيزم أو ما يتم ترجمته حرفيا إلى النسوية وما يسميه المسيري التمركز حول الأنثى (1) لا تؤمن بالميراث بالمنطلق الإلهي بل تؤمن بتقاسم الإرث بمنطق المناصفة لأن مطوري هذه النظرية هم دعاة الفكر التنويري “اللائكيون” دعاة حرية الجسد والتعري، دعاة المادية وتشييء الإنسان، دعاة المساواة بين الذكر والأنثى والشجر والحجر والبهائم.

الفيمينيزم تطورت في رحم الثورة الفرنسية الثالثة (ثورة الجنس ومعاداة الأديان)، وهو ما يفسر كيف أن أغلب الحركات النسوية العربية يتم تمويلها من بلاد الأنوار كما يدعون (بلاد الظلمات حقيقة). الفيمينيزم لا تؤمن بآصرة الأسرة والمجتمع ولا بالدين والعقيدة ولا يهمها إلا أن تحقق شروط تكافؤ الفرص في ثنائية الصراع -الند للند- بين الرجل والأنثى، وهو ما يظهر جليا في السينما الهوليودية كباتمان / بات وومن ، سوبر مان /سوبر وومن، فكلما ظهر منقذ ذكوري جديد إلا خلقوا منقذا أنثويا يقابله، وما هذه إلا إحدى تجليات هذا الصراع بل وأن منظري هذا التيار الفكري بلغوا حد الزعم بأن النصوص الدينية تحابي الرجل وأنه كما يوجد إله في هذه النصوص فيجب أن توجد إلهة، وتدعو إلى تأنيث اللغة بحجة أنها ذكورية ايضا.

الفيمينيزم
من إحدى المظاهرات المدافعة لتيار الفيمينيزم

من ناحية أخرى نجد الذكر المهيمن الذي يأخذ من الدين ما له وينسى ما عليه، لا يتذكر الدين إلا في التعدد الذي هو أصلا مقرون بشرط العدل والقدرة والضرورة، ولا يتذكر الستر إلا حينما تتكشف المرأة متناسيا مظاهر التعري التي يغزو بها أشباه الرجال صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.

سلطوية الرجل تظهر جليا في طريقة التربية حيث يكتفي الذكر بالأكل والشرب والنوم واللعب دون المشاركة في أية وظيفة داخل المنزل إلى أن يصير أسدا فيخرج للغابة بحثا عن طعامه، فإذا هو لم يجده عاد لأكل طعام اللبؤة؛ هذا السيناريو في التربية التي يكون المخطط له هو الضحية نفسها.

سلطة الذكر المهيمن التي تحرم الانثى من حقوق شرعها الله لها من فوق سبع سماوات وحرمها منها الرجل بذريعة الأعراف والتقاليد ومنطق القبلية .

الوصاية التي يتبجح بها الرجال تكليف لا تشريف، وهي عقد في عنق الرجل قد يكون من ذهب إن راعى حق الموصى عليها وقد يكون من شوك وصدأ إن هو استغل وصايته للتسلط.

دفاع المرأة عن حقوقها الشرعية وصدها للأعراف التي تقيد هذه الحقوق وتحرمها منها قد يواجهه البعض بأن يخلط بين مطلبهن المشروع وبين حركات النسوية الخبيثة، والذي يتعمد هذا الخلط إما أن يكون جاهلا لشرع الله أو يكون جاحدا متسلطا لا يهمه إلا أن يمارس ساديته على من هم أضعف منه.
كما أن دعوى المرأة للدفاع عن حقوقها لا يجب أن تُتَّخد ذريعة للهروب من مسؤولياتها والتسلط المعاكس على الرجل، كما أنها لا تخول لها التباكي ولعب دور الضحية لمسح كل الخطايا في جلباب تسلط الرجل. دفاع المرأة عن حقوقها يجب أن يكون نابعا من إيمان حقيقي بأدوارها الذي خلقت لها والتي يكفل لها الشرع حق ممارستها، أدوار يتراكب فيها الحق والواجب تراكبا يُكون شخصية المرأة وينهض بطموحها داخل المجتمع.

مودة-ورحمة
مودة ورحمة

وأخيرا، فعلاقة الذكر بالانثى هي علاقة عطاء متبادل وحب ورحمة ومودة، واستمرارية النسل تقتضي الألفة بينهما لا الصراع، وما مظاهر الانحلال والتفسخ والشذوذ التي يعيشها الغرب إلا مظهر من مظاهر طغيان الصراع بين الذكر والانثى .

ويبقى المستفيد الأكبر من جحود الرجل لحقوق المرأة الشرعية هو هاته الحركات التي تستغل جهل عدد كبير من النساء لخبايا هذا التيار الخبيث وتستغل معاناتهن وقضاياهن العادلة لتمرير مخططاتها المسمومة المغلفة بحق المرأة في التعلم والعمل والتصويت ومحاربة ختان المرأة في بعض المجتمعات وكذا حقها في الميراث وغيرها من الحقوق التي منحها الله لها وحرمتها منها الأعراف الجاهلية القديمة والحديثة.

المراجع:

(1) قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى

الفيمينيزم والمجتمع الذكوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *