fbpx

خربوشة المرأة التي اغتالتْها أهازيجُها وكلماتها الشعبية

أيقونة العيطة بالمغرب

“خربوشة”

” وا خايتي عليك آ ليام ليا آليام يام القهرة والظلام، وا فينك يا عويسى فين الشان والمرشان، شحال غيرتي من عباد شحال صفيتي من سياد بلا شفقة بلا تخمام، حرقتي الغلة وسبيتي الكسيبة يتمتي الصبيان بالعرام … تعديتي وخسرتي الخواطر ظنيتي القيادة للدوام السيد مبقالو شان والرعواني زيدتيه للقدام، سير آعيسى بن عمر يا وكال الجيفة يا قتال خوتوا يا محلل الحرام “

كلماتٌ تتردد على مسامع الكثير؛ غنّاها الصغير والكبير في الأسواق وفي حلقات العيطة، لكن القليل من يعلم سياق الكلمات وصاحبها بل وأنها كانت سببا في نهاية مأساوية لمن غناها واستحقت أن تسجل ضمن الأغاني الخالدة والفن الملتزم والثائر، هي كلمات للشيخة خربوشة العَبْدية.  فمن تكون “الشيخة خربوشة” ؟ 

إنها المرأة الحديدية حويدة الغياثية المعروفة بخربوشة وهناك من يلقبها أيضا “لكريدة زروالة زايدية” نسبة إلى قبيلتها ولاد زايد. عاشت نهاية القرن 19 بإقليم عبدة  وتحديدا قبيلة ولاد زايد وهي منطقة ساحلية شمال آسفي، خلفت خربوشة رصيدا من الأشعار أو ما يعرف بالعيوط في الثقافة الشعبية المغربية؛ واجهت جبروت أكبر القياد الذين عرفهم المغرب المعروف بالقايد عيسى.

تقرؤون أيضاً على مدونة زوايــــا

بدأت فصول صراع خربوشة وقبيلتها  في سهول عبدة مع القايد عيسى بن عمر الثمري وهو أكبر قياد المغرب القديم، ولد في قبيلة البحاترة وكان منذ صغره حذقا نظرا لولادته في بيت المخزن، فقد كان أخوه الأكبر أحد رجال المخزن وهو القايد محمد بن عمر الثمري وقد جعله ملازما له وخلفه في قيادته سنة 1879 بعد موته.

 القائد عيسى بن عمر الجبار المتمرد تسبب في انتفاضات عديدة كانت أبرزها انتفاضة ولاد زايد في المرحلة المعروفة في تاريخ المغرب بالسيبة، هاته الفترة التي انفلت الحكم فيها من يد المخزن وعرفت أبرز الانقلابات كانقلاب الجيلالي الزرهوني الملقب ببوحمارة وتمرد بعض قبائل تازة على السلطة المركزية، فدخل المغرب في أزمة خصوصا بعد وفاة السلطان محمد الأول سنة 1894 وتولي العرش السلطان عبد العزيز البالغ آنذاك من العمر 11 سنة، فكان الصدر الأعظم أو الحاجب الملكي با احماد هو المدير الفعلي لأحوال البلاد؛ هذا الأخير الذي عاث في الأرض وتسبب في إعلان مجموعة من القبائل التمرد والعصيان على المخزن.

كان القايد عيسى بن عمر في تلك الفترة الحاكم المطلق على مناطق عبدة وكانت سلطته واسعة، وقد شبهه المؤرخ السلاوي أحمد بن محمد الصبيحي بالحجاج ابن يوسف الثقفي في كتابه الذي أُلِّف خصيصا للحديث عن طغيانه وجبروته “عيسى بن عمر وفظائعه”. 

وفي تلك الفترة التي زاد فيها جبروت القايد عيسى عن اللازم ذاع صيت خربوشة بين القبائل ووصل صداها الى محيطه، هاته الأخيرة التي تنظُم أبياتا شعبية أمام رجال القبيلة لتحثهم على الجهاد والدفاع عن شرف القبيلة وحمل السلاح في وجه العدو بعد عودتهم من المعارك لتحمسهم بكلماتها التي تسربت إلى كل مكان.

فتغنى بكلماتها الكبير والصغير، وقيل في حقها أنها المرأة الثائرة، وأنها المرأة التي تنفث اللهيب من أنيابها، وزلزلت الأرض تحت أقدام جَلاَّديها، مما حولها إلى رمز للثورة في الذاكرة الشعبية للمغاربة وخصوصا أهالي عبدة. 

بعد أن هزم القايد عيسى قبيلة خربوشة بعد معارك طاحنة، هربت إلى منطقة الشاوية بِوْلاد سعيد عند أخوالها، وبعدما علم القايد عيسى بالأمر أرسل إليها إلاَّ أن قائد القبيلة رفض تسليمها؛ لكن القايد عيسى سيتمكن من أسرها بعد خروجها من دار المخزن أو القصر ليزج بها في السجن محاوَلةً منه لإخراسها، وكان يسخر منها أمام أصحابها، إلا أنها انبعثت من جديد لتهجُوه بكلماتها: وفينك يا عويسى فين الشان والمرشان… 

فوضع القايد عيسى حدا لحياتها وجعل منها أيقونة للثورة ضد الظلم والإستبداد؛ لكنها أرعبته حية كما ميتة،  فأشعارها وكلماتها استمرت بعدها إلى أن سقط القايد عيسى، وكان من أجمل ما قيل فيها “آ خربوشة ولكريدة آ زروالة، يا زينة الشيخات، ماتو لي قتلوها وبقات هي حية في عيوطها تتوالى”.

خربوشة المرأة التي اغتالتْها أهازيجُها وكلماتها الشعبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *